محمود محمود الغراب

92

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

ثم ودعته وانصرفت ، فنزلت بهارون عليه السلام « 1 » ، فوجدت يحيى قد سبقني إليه ، فقلت له : ما رأيتك في طريقي ، فهل ثمّ طريق أخرى ؟ فقال : لكل شخص طريق لا يسلك عليها إلا هو ، قلت : فأين هي هذه الطرق ؟ فقال : تحدث بحدوث السلوك ؛ فسلمت على هارون عليه السلام ، فرد وسهل ورحب وقال : مرحبا بالوارث المكمل ، قلت : أنت خليفة الخليفة « 2 » مع كونك رسولا نبيا ؟ فقال : أما أنا فنبي بحكم الأصل ، وما أخذت الرسالة إلا بسؤال أخي ، فكان يوحى إلي بما كنت عليه ؛ قلت : يا هارون ، إن ناسا من العارفين زعموا أن الوجود ينعدم في حقهم ، فلا يرون إلا اللّه ، ولا يبقى للعالم عندهم ، ما يلتفتون به إليه في جنب اللّه ، ولا شك أنهم في المرتبة دون أمثالكم ، وأخبرنا الحق أنك قلت لأخيك في وقت غضبه فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ فجعلت لهم قدرا ، وهذا حال يخالف حال أولئك العارفين ، فقال : صدقوا ، فإنهم ما زادوا على ما أعطاهم ذوقهم ، ولكن انظر ، هل زال من العالم ما زال عندهم ؟ قلت : لا ؛ قال : فنقصهم من العلم بما هو الأمر عليه على قدر ما فاتهم ، فعندهم عدم العالم ، فنقصهم من الحق على قدر ما انحجب عنهم من العالم ، فإن العالم كله هو عين تجلي الحق لمن عرف الحق فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بما هو الأمر عليه . فليس الكمال سوى كونه * فمن فاته ليس بالكامل فيا قائلا بالفناء اتئد * وحوصل من السنبل الحاصل ولا تركنن إلى فائت * ولا تبع النقد بالآجل ولا تتبع النفس أغراضها * ولا تمزج الحق بالباطل ثم ودعته ونزلت بموسى عليه السلام « 3 » ، فسلمت عليه ، فرد وسهل ورحب ، فشكرته على ما صنع في حقنا ، مما اتفق بينه وبين نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، في المراجعة في حديث فرض الصلوات ، فقال لي : هذه فائدة علم الذوق ، فللمباشرة حال لا يدرك إلا بها ، قلت : ما زلت تسعى في حق الغير حتى صحّ لك الخير كله ، قال : سعي الإنسان في حق

--> ( 1 ) يشير إلى السماء الخامسة . ( 2 ) قول موسى لهارون عليهما السلام اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي . ( 3 ) يشير إلى السماء السادسة .